أبي بكر بن علي بن محمد ( ابن حجة الحموي )

283

قهوة الإنشاء

بالعلم والفصاحة بين الحكمة وفصل الخطاب ، وعالجوا زمان الجهل بحسن تدبيرهم فعوفي وحفظ لهم الصحة وطاب ، وسلّم تسليما كثيرا . أما بعد ، فالإرشاد إلى منهاج الطب كان قد خفي « 1 » إيضاحه عن الهداية ، وافتقر المغني بعد الغنية ونقص الكامل واعترف الكافي بعدم الكفاية ، ونسيت التذكرة المفيدة ، ولم تبق لكنز هذا العلم ذخيرة حميده . وأحجم كل مهذّب عن التصريح بالمكنون ، واستشكل جسّ النبض . ومن أشكلت عليه حركات الجسّ كان أجنبيا من القانون ، ونسي تاريخ الأطباء ، حتى كأنه لم يظهر له إنباء ، ولم يظهر للمنقول في شرح الفصول بدائع ، ولا حصل الإجماع على تقديم إمام يؤمّ بالناس في الجامع ، إلى أن ظهرت الشمس المحمدية فقلنا : « هذا هو المنتقى والمختار » . وعام الناس في بحر العوافي وقالوا : « هذا هو البحر المحيط الذي لا حرج على المحدث عنه في الأخبار » . لما كان المجلس السامي القضائي الشمسي محمد بن الضريس الحموي الحنفي - أدام اللّه رفعته - هو الذي حصل به الكشف عن هذه الغمّة بعلامات وأسباب ، وظهرت منه نتيجة الانتخاب في المسألة والجواب ، وظفر الطلبة منه بالتنقيح وتغذّوا بخاص اللباب ، وفازوا بالمحصول الشامل وعقدوا عليه خناصر الإقناع ، وقالوا : « هذا كهف الألبّاء وليس لزهر الروضة بغير إيناع » ، اقتضى موجز رأينا الشريف الملكي أن يكون المنتخب ، وعلمنا أن حبّ الوطن استماله إلى التفكّه بالفواكه الشامية عن الحلاوة القاهرية وجني الرطب . فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي المؤيدي السيفي ، لا زال كل مهاجر إلى أبوابه الشريفة محفوفا من بأنصار ، ومن أحبّ العود إلى أوطانه أعاده بإنعامه الشريف كما يحب ويختار ، أن يستمرّ المشار إليه على وظائفه بدمشق المحروسة وهي رئاسة الطب بالبيمارستان النوري وما أضيف إلى ذلك ، فإنه العالم الذي آتاه اللّه الحكمة وغذّاه لبانها صغيرا . وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً « 2 » . كم أنشأ في الطب رسالة مدّت إليها الأيادي ، وأمست الخناصر عليها تعقد . وإن ذكر فقه الحنفية فالدرّ يلتقط من مجمع بحريه وهو المختار لهداية الطلاب . وقد علم كل أحد أن محمدا في هذا المذهب من أكبر الأصحاب .

--> ( 1 ) قد خفي : ها : قد أخفى . ( 2 ) سورة البقرة 2 / 269 .